تجربة المحاكم الشرعية في الثورة السورية

367

تحدّيات التأسيس، والمرجعية والتنفيذ، والدروس المستفادة

حسن الدغيم / سوريا

الملخَّص التنفيذي:

في نهاية عام 2012م تحرّرت الكثير من الأراضي السورية عن سيطرة نظام الأسد المستبدّ، وأصبحت هذه المناطق خارج سيطرة النظام ومؤسَّساته، حيث شهدت المناطق المحرَّرة فراغاً من الناحية القضائية والخدمية،بل واستخدمت المحاكم كأفخاخ للإيقاع بالمعارضين السلميين ، وتسليمهم لفروع المخابرات السورية ،  وكان ذلك سبباً في لجوء الناس إلى العمل على تشكيل محاكم وهيئات قضائية لحفظ الأمن وتحقيق العدل وإنصاف المظلومين ومعاقبة المجرمين، وبسبب تكاثر الفصائل في المناطق المحرَّرة فيما بعد ، ودخول التنظيمات المتطرِّفة عام 2013 ،  شهدت هذه المحاكم اختلافاً كبيراً من ناحية المرجعية والتنفيذ ، مما سبّب اضطراباً  كبيراً  في السلطة القضائية وفي المحاكم، إلا أنّها استطاعت الاستمرار –بحكم الاضطرار لها- حتى الآن في مقاومة العديد من التحدّيات التي واجهتها، واستطاعت الاستجابة لمعطيات الواقع وأن تطوّر من نفسها بناءً على ذلك، متعايشةً مع الإخفاقات التي اعترت سيرها.

ما يجعلها -بالمجمل- تجربة رائدة في الثورة السورية وحَرِيّةً بالبحث والدراسة، إذ سدّت ثغرة كبيرة فيما يتعلّق بضبط الأمن في المناطق المحرَّرة، وتسيير أمور الزواج والطلاق والمعاملات وغير ذلك من الأمور المتعلّقة باختصاصها، ويزيد أهمّية تسليط الضوء على هذا الجانب كون السلطة القضائية هي السلطة الثالثة في أيّ حكومة، ومن الضرورة بمكان تسليط الضوء عليها بالبحث والدراسة؛ بغية الارتقاء بها لسدّ حاجة المجتمع أثناء المرحلة المتغيرة “الثورة” ، وإذا ماكان بالإمكان الاستفادة من تراكم الخبرات لما بعد الحلّ السياسي.

  • بما يتعلق بإشكالية البحث:

وبخصوص  إشكالية هذا البحث حول أداء السلك القضائي والمحاكم الشرعية في أثناء الثورة السورية، والدور الذي لعبته تلك المحاكم في ضبط الأمن وتحقيق العدالة، والتحدّيات العملية والنظرية التي واجهتها والتطوّرات التي وصلت إليها واستقرّت عليها، حيث وضّح العديد من الأفكار المتعلّقة بالسياق التاريخية لنشأة المحاكم وتطوّرها والتحدّيات التي واجهتها والمرحلة التي استقرّت عليها والتي يمكن تلخيصها بالنِّقاط التالية:

1- نشأت المحاكم الشرعية في المناطق الخارجة عن سلطة نظام الأسد نتيجة الحاجة المجتمعية إليها في تحقيق الأمن وضبط المجتمع والفصل بين الخصومات وتسيير معاملات الطلاق والزواج والبيوع وغير ذلك، وينفس الوقت استثمرت أحياناً من بعض الجهات وخاصة التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم الدولة “داعش” كأداة لفرض السيطرة  

2- تدرّجت مراحل تطوّر المحاكم انطلاقاً من ظاهرة “شرعيي الفصائل” مروراً “بالهيئات الشرعية” التي تُعنى بإصدار الفتوى والدراسات، وانتهاءً بالمحاكم الشرعية التي تطوّرت مع مرور الوقت لتأخذ مساراً احترافياً ويشارك فيها المحامون والحقوقيون، باستثناء محاكم داعش.

3- يمكن تقسيم المحاكم الشرعية إلى قسمَين، الأوّل تلك التي كانت مؤسسة ومن ثُمَ تابعة لمجلس الأعلى للقضاء في سوريا والذي يحظى بدعم من المجلس الإسلامي السوري والجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة ، وتتبنّى القانون العربي الموحّد في محاكمها،

والثاني هو المحاكم التابعة لجبهة النصرة والمسماة دور القضاء وتطورت لتتبع وزارة العدل التابعة لحكومة الإنقاذ الموالية لهيئة تحرير الشام لاحقاً والتي اعتمدت الشريعة الإسلامية مصدراً للحكم دون تقنين معتمدة بذلك على اجتهادات القاضي، أو الشيخ، والتي فرضت تطبيق الحدود في بعض الأحيان، واتُهمت بالتطرّف في كثير من الأحيان.

4- اندثرت المحاكم التابعة للمجلس الأعلى للقضاء مع سيطرة نظام الأسد على كلّ من درعا وريف دمشق وحلب حيث كانت توجد ثلاث من محاكمه، في حين هيمنت هيئة تحرير الشام على المحاكم التابعة له في محافظة إدلب، وليحلّ محلَّ المجلس الأعلى -وبطريقة تدريجية- المحاكمُ التابعة لوزارة العدل في الحكومة السورية المؤقّتة وذلك في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات والتي تبنّت تطبيق القانون السوري على وفق دستور عام١٩٥٠م بصورة  معدّلة. 

5- تجلّت التحدّيات النظرية التي واجهت عمل المحاكم الشرعية بالنِّقاط التالية:

أ‌) مرجعية المحاكم بين الشريعة والقانون الوضعي والعُرف المحلّي.

ب‌) مرجعية الشريعة بين التقنين وبين ترك المرجعية حسب اجتهاد القاضي حسب فهمه للشريعة

ت‌) المرجعية الإدارية ” السلطة” .

ث‌) إقامة الحدود.

6-   في حين تجلّت التحدّيات العملية بالنِّقاط التالية:

أ‌) صعوبة تحقيق  استقلالية القضاء.

ب‌) ضعف القوة التنفيذية التابعة للقضاء .

ت‌) تعدّد المرجعية الإدارية للمحاكم على بسبب تعدّد الفصائل.

ث‌) نقص الكوادر والكفاءات.

ج‌) نقص الدعم المالي .

ح‌) التحدّيات الأمنية التي تجلّت في عمليات الاغتيال، والقصف الذي استهدف المحاكم والمقارّ التابعة للسلك القضائي.

7- إنّ سقوط داعش التي كانت محاكمها الشرعية كأداة لتنفيذ إديولوجيا التطرّف، ألقى بظلال قاتمة على تجربة المحاكم الشرعية .

8- إنّ المحاكم الشرعية المنضوية إدارياً تحت جناح وزارة العدل في حكومة الإنقاذ  المشكلة من قِبل هيئة تحرير الشام ، تَلقى استياءً كبيراً من المجتمع المحلّي نتيجة السياسات المتغطرسة  التي تنتهجها، والظلم الذي يقع منها على المدنيين والفصائل الأخرى بدعوى “تحكيم الشريعة”، في حين يراه الكثيرون تجييراً للشريعة لصالح الفصيل، عِلاوةً على حالة الرفض الدولية لهيئة تحرير الشام وكلّ من ينبثق عنها من محاكم ومؤسّسات، ووسمها بالإرهاب، وما جلبه ذلك من ويلات على الثورة السورية.

9- تابعت الفصائل الأخرى والهيئات الشرعية والمؤسّسات المدنية والائتلافات السياسية حالة النضج الفكري، والوعي السياسي، الذي أوصلها لتشكيل المجلس القضائي الأعلى في سوريا وتبنّي القانون العربي الموحّد، والقَبول به والاجتماع عليه، ثم تبنّي القانون السوري على وفق دستور عام 1950م والعمل على تطويره وإجراء التعديلات بوجه ينسجم مع إرادة الشعب ودينه وتاريخه وثقافته وأعرافه، ويكون في الوقت ذاته مقبولاً لدى المجتمع الدولي،

10- إنّ اعتماد قانون يتّخذ الشريعة الإسلامية مصدراً (رئيسياً) للتشريع يحد من ظاهرة الغلو والتطرف ويقطع الذرائع على الحركات المتطرفة التي تتخذ من دعاوى تحكيم الشريعة طريقاً لها لسلوك سبيل التطرف والتكفير ؛ وبنفس الوقت  يتيح الشرع الإسلامي لتلك للطوائف الغير إسلامية التحاكم في محاكم خاصّة في شؤونها وأحوالها الشخصية ،

وعلى خلفية هذا العرض من الممكن اختصار أهمّ التوصيات ب:

1-توحيد المرجعية القضائية والسلطة القضائية وإتباعها إدارياً للحكومة المؤقتة .

2-الاعتماد على الكوادر المؤهَّلة والمدرَّبة والمختصَّة في مجال القضاء.

3-الاعتماد على القضاة المنشقّين والمشهود لهم بالخبرة والكفاءة والنزاهة في مجال القضاء.

4- الاعتماد على الحقوقيين والكوادر الشرعية المؤهَّلة في مجال القضاء لتشابه الاختصاص، ولأنّه يلبّي رغبة شعبية في المناطق المحرّرة.

5- إبعاد التنظيمات المتطرّفة والتكفيرية وعدم السماح لها في ممارسة السلطة القضائية .

6-الاعتماد على العناصر والخبرات الوطنية .

كما يمكن سرد بعض التوصيات المفيدة للمناطق الأخرى في العالم العربي والإسلامي، والتي تعيش حالة ثورية مشابهة للحالة السورية، أهمّها:

1) أن يدرك الثائرون حجم التحديات الإدارية وأن عليهم توسيع قاعدتهم الشعبية وعدم مصادمتها لفي إنشاء أشكال حكم محلي دون رغبة شعوبهم ،

2) إنّ تحكيم الشريعة أمر واسع غير مقتصر على تطبيق الحدود، وإنّ شريحة واسعة من فقهاء الأمّة -قديماً وحديثاً- قالوا بأن الحدود لاتقام وقت الحروب.

3) إنّ ضعف الكفاءات سيؤدّي إلى أخطاء فادحة واجتهادات قاتلة، ولابدّ من التغلّب عليها بواسطة تأهيل الكوادر والكفاءات في الجهة الحقوقية والشرعية.

4) إنّ تقنين الشريعة في ظلّ ظروف الفوضى ونقص الكفاءات هو واجب لابد منه والذي يصبّ في صالح المجتمع ومقبولية المحاكم الشرعية .

5) إن توسيع دائرة الاجتهاد القانوني المنضبط ضمن أصول ومقاصد  الشريعة الإسلامية تضمن إنضاج قانون يراعي الأعراف المحلّية واستحقاقات المواثيق والقوانين الدولية، خاصّة في تلك البلاد  التي تتّخذ الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي -أو مصدراً رئيسياً- للتشريع،

6) إنّ الحذر من تولي الجماعات التكفيرية المتشدّدة من بداية الحالة الثورية ، وإبعاد الأجانب عن مراكز صنع القرار وعن المؤسّسات الثورية بما فيها القضائية، من شأنه تجنيب أيّ ثورة أو حركة إصلاحية الدخول في متاهات وصدامات ستنتهي في الغالب بإراقة الدماء وفشل التجربة، وسقوط المناطق بيد الحكّام المستبدّين من جديد.

7) إنّ بناء المحاكم يجب أن يراعي حساسية جميع الطوائف والأديان الموجودة في المنطقة، وأن تنطلق عملية البناء من مبادئ العدل والمساواةّ وأن تعزّز السِّلم الأهلي في المنطقة التي تنشأ فيها، وهذا ما تؤكّده سماحة الإسلام.

8) إنّ الدين الإسلامي أصل لمنظومة حقوقية شاملة تجلى صداها وأثرها بوضوح في قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الملحَقة به، مما يفتح المجال للتوفيق بين القوانين والاتفاقيات الدولية، وبين الفقه الإسلامي ،

9) إنّ التركيز الأكبر يجب أن يكون على إسقاط النظام المستبدّ، دون إفراط أو تفريط بممارسة الحكم وضبط الأمن في المناطق المحرّرة، والسعي لتقديم نموذج مشرق في الحكم يزيد الدعم المحلّي والدولي.

جدول المحتويات:

المحاكم الشرعية في أثناء الثورة السورية 1

النشأة والتطوّر والتحدّيات.. 1

مقدّمة: 3

–               إشكالية البحث وأسئلته 4

–               تعريفات البحث.. 5

–               الإطار الزماني والمكاني للبحث.. 6

–               فرضية البحث.. 6

–               خطّة البحث.. 6

المبحث الأول: نشوء المحاكم الشرعية  في الثورة السورية وتطوّرها 8

المطلب الأول : تطور النظام القضائي في الإسلام وتعريف المحاكم الشرعية 9

أولا: تطوّر النظام القضائي في التاريخ الإسلامي. 9

ثانياً: تعريف المحاكم الشرعية وتمييزها عن المحاكم الأخرى. 10

المطلب الثاني: نشوء المحاكم الشرعية في أثناء الثورة السورية وتطوّرها 10

المرحلة الأولى: شرعيو الفصائل. 10

المرحلة الثانية: الهيئات الشرعية 11

المرحلة الثالثة: المحاكم الشرعية 12

–                 تجربة المحاكم الشرعية في درعا(دار العدل) 12

–                 تجربة المحاكم الشرعية في الغوطة الشرقية(القضاء الموحَّد) 13

–                 تجربة المحاكم الشرعية في محافظة إدلب ومحيطها(الهيئة الإسلامية لإدارة المناطق المحرَّرة) 14

–                 التجربة القضائية في حلب(مجلس القضاء الأعلى في حلب) 17

المرحلة الرابعة: مجلس القضاء الأعلى في سوريا. 17

المرحلة الخامسة: وزارات العدل. 18

المبحث الثاني: التحدّيات التي واجهتها المحاكم الشرعية 20

المطلب الأول: التحدّيات العملية 21

أولا: استقلالية القضاء 21

ثانيا: ضعف القوّة التنفيذية 21

ثالثا: تعدّد المحاكم على أساس فصائلي ورفض التوحّد في إطار مجلس القضاء الأعلى. 22

أ‌)                  مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام 22

ب‌)                  مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات.. 23

رابعا: نقص الكوادر والكفاءات.. 23

خامساً: نقص الدعم 24

سادسا: التحدّيات الأمنية 25

المطلب الثاني: التحدّيات النظرية والفكرية 25

أولاً: مرجعية المحاكم بين الشريعة والقانون الوضعي والعُرف المحلّي. 26

ثانياً: تقنين الشريعة والقانون العربي الموحّد. 26

ثالثاً: رفض جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام لاحقا 27ً

رابعاً: إقامة الحدود 28

خاتمة: 29

https://albayan.ws/wp-content/uploads/2021/01/hassan_aldughaim_mahakim_sharia_paper.pdf

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.