الغلو في التكفير.. حقيقته وأنواعه (1)

541

من الأمراض الفكرية الخطيرة التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في مراحل مبكرة من تاريخها داء (الغلو في التكفير) الذي كان أصحابه أول الفرق البدعية ظهورا في الإسلام، وهم فرقة (الخوارج) المعروفة التي كفرت وقاتلت الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم.

ونظرا لخطورة ظاهرة الغلو في التكفير، وتداعياتها المختلفة، وأثرها المباشر في التوسع في القتل والتهجير، وشيوع ثقافة التدمير والتفجير، وانتشار الفوضى في كثير من بلدان العالم اليوم، فإنه من المتعين على أهل الاختصاص تناولها بالدراسة والبحث من جوانبها المختلفة، وفي هذه الورقة المختصرة سنحاول التعرف على حقيقة الغلو في التكفير وأنواعه.

فالتكفير هو الحكم على عمل (اعتقاد، أو قول، أو فعل) بأنه مكفر، أو على شخص معين بأنه كافر، أما الغلو في التكفير فالمقصود به التوسع ومجاوزة الحدود والضوابط الشرعية في الموضوع بتكفير من ثبت وتقرر إسلامه بيقين، دون النظر إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع المعتبرة شرعا.

وبهذا المعنى للغلو في التكفير يخرج الحكم بكفر الكافر الأصلي الذي لم يدخل في الإسلام أصلا، فهذا لا خلاف في كفره، فتكفيره ليس من الغلو في التكفير، ويخرج أيضا الحكم بكفر من ارتد عن الإسلام، وتوفرت فيه شروط الردة المعروفة شرعا، وانتفت في حقه الموانع، وحكم بردته مخول ومؤهل للحكم، فهذا ليس غلوا في التكفير، هو تكفير شرعي منضبط
أما عن أنواع الكفر وأهمية التفريق بينها، فقد قسم أهل العلم الكفر إلى أقسام متعددة، وكل تقسيم هو باعتبار معين؛ فقد قسموا الكفر المخرج من الملة إلى أربعة أنواع هي:

كفر الإنكار: وهو أن يكفر بقلبه، ولسانه، ولا يعتقد الحق، ولا يقر به.

وكفر الجحود: وهو أن يعرف الحقَ بقلبه، ولا يُقر بلسانه، ككفر إبليس.

وكفرُ المعاندة: وهو أن يعرفَ بقلبه، ويقرَّ بلسانِهِ، ولا يقبلُ ولا يتدينُ به، ككفرِ أبي طالب.

وكفرُ النِّفاق: وهو أن يقرَّ بلسانِهِ، ويكفرَ بقلبه.

لكننا سنركز هنا على تقسيم الكفر إلى: كفر أكبر، وكفر أصغر، وتقسيمه إلى كفر نوع، وكفر عين، فهذان التقسيمان لهما أثر بالغ في موضوعنا، لما يترتب على الخلط بينهما من أخطاء جسيمة في باب التكفير.

فبالنسبة للكفر هو الكفر المخرج من الملة، المخلد صاحبه في النار يوم القيامة، وهو المراد بالكفر عند الإطلاق، وهو المقصود في التعريفات السابقة.

أما الكفر الأصغر فالمراد به ما وصفه الشرع من الأعمال بأنه كفر، ولكن دلت الأدلة على أنه لا يخرج به صاحبه من الإسلام، ولا يخلد به في النار.

وعدم التفريق بين الاثنين كان سببا من أسباب الخطإ الجسيم في باب التكفير عند الغلاة قديما وحديثا، لذلك كان لابد من التفريق بينهما.

ومن خلال تتبع نصوص الكتاب والسنة، وأقوال علماء الأمة وُجد أن الشارع يطلق وصف الكفر، والنفاق، ونفي الإيمان، وما في معنى ذلك على من يرتكب أعمالا تشهد أدلة الشريعة وقواعدها أنها لا يخرج بها المسلم من الملة، وإن كانت من الكبائر العظام، وخلاصة مذهب أهل السنة أن الكفر الوارد في هذه النصوص وشبهها ليس الكفر الأكبر المخرج من الملة، بل هو كفر دون ذلك.

ويقول ابن القيم إن الكفر نوعان كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، يضاد الإيمان، أما الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة فقد مثل له بنفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، فهذا كفر عمل.

إذا عرفنا ذلك، وعلمنا الفرق بين مراتب وأنواع الكفر أدركنا حجم وخطورة الخطإ الذي وقع فيه من لم يفرق بينها بسبب الجهل، فقادهم ذلك إلى الحكم على من ارتكب كفرا أصغر بالكفر الأكبر والخروج من الملة، وما يترتب على ذلك من استباحة دمه، وماله، وعرضه!
أما المراد بكفر النوع هنا فهو الأعمال التي ثبت شرعا كونها كفرا.

والمراد بكفر العين هو ثبوت حكم الكفر في حق مرتكب تلك الأعمال.

وكثيرا ما يقع بعض الناس في الخلط في هذا الموضوع ظانين التلازم بين الأمرين، وأن كل من ارتكب مكفرا صار كافرا بصورة تلقائية، دون النظر في حاله، وما يلزم قبل الحكم بكفره من النظر في توفر شروط التكفير، وانتفاء موانعه.

والصواب أن الأقوال والأفعال الكفرية، قد تصدر من شخص، فيقال إنها كفر، ولكن الحكم بأنها كفر لا يستلزم بالضرورة الحكم بكفر صاحبها الذي قد لا تتوفر فيه الشروط التي يكفر صاحبها، وقد تتوفر الشروط، ويوجد لديه مانع أو أكثر يمنع من الحكم بكفره، كالجهل، والتأويل، والإكراه.

وبالتفريق بين التكفير المطلق، وتكفير المعين يزول إشكال كبير وقع فيه غلاة التكفير قديما وحديثا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.